أبي الخير الإشبيلي
18
عمدة الطبيب في معرفة النبات
يؤيدها دليل ، ولذلك فإن كلّ هذا الذي ذكرناه لا يكفي - بطبيعة الحال - لإثبات نسبة « عمدة الطبيب » إلى مؤلف يحمل اسم ابن عبدون ، ثم إن الرجوع إلى الغسّاني الذي ذكر هذا الاسم إحدى عشرة مرة فيما نقله من كتاب « العمدة » لا يقدّم ولا يؤخر في هذه المسألة شيئا ، لا سيّما إذا علمنا أن مخطوطة مدريد من كتاب « العمدة » وقع الفراغ من انتساخها في مدينة فاس عام 996 ه ، وفي هذا التاريخ كان الغسّاني ما يزال على قيد الحياة ، فمن المحتمل أن يكون قد ساير الوهم الذي وقع فيه كاتب المخطوطة حيث نسب تأليف الكتاب إلى المختار بن الحسن بن عبدون ابن بطلان ، وعمد الغسّاني إلى اختصار هذا الاسم الطويل مقتصرا منه على اسم الجدّ الذي هو عبدون . وبالنظر إلى هذه الشكوك التي اعترتني في نسبة الكتاب إلى مؤلّفه الحقيقيّ اتّجهت إلى استفسار كتاب « عمدة الطبيب » نفسه فتبيّن لي من خلال تأمّل موادّه وفصوله أن مؤلّفه يجمع بين الاطّلاع على مسائل اللغة ومظانّها والمعرفة الواسعة بشؤون الفلاحة والغراسة مع المزاولة الفعلية لهما ، بالإضافة إلى معارفه الطبية والصيدلية وتمرّسه بمعاينة الأعشاب في منابتها الطبيعية ومقارنة أعيانها والدّقة في التفريق بين مختلف أجناسها مع كثرة التجوال في بلاد الأندلس والمغرب بغرض البحث في حقيقة الأعشاب ومشاهدتها في منابتها والتأكّد من ماهيتها . ثم إن مؤلف « العمدة » قد أخبرنا في ثنايا كتابه بأنه تعلّم « الصنعة » على يد الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الساعدي الأنصاري الشهير بابن اللونقة ( 498 ه / 1104 م ) ، وأنه كان على صلة وثيقة بالشيخ الفلّاح أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم ابن بصال ( القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ) ، وكلاهما من أهل طليطلة ، اضطرا إلى مغادرتها حينما دخلها النصارى عام 1085 م ، وقد أقام ابن اللونقة في بطليوس ثم انتقل إلى إشبيلية ثم إلى قرطبة حيث أدركته الوفاة ، كما أقام الثاني في إشبيلية وكان له النظر على « جنّة السلطان » فيها ، وهي البساتين التي يظهر أنها كانت للمعتمد ابن عباد ( 461 - 484 ه / 1069 - 1091 م ) قبل خلعه ونفيه إلى أغمات من أعمال مراكش . إن هذه المعلومات القيّمة التي يزوّدنا بها كتاب « عمدة الطبيب » لا تقتصر على تعيين العصر الذي عاش فيه المؤلف بل توضّح لنا أيضا جانبا من نشاطه العلمي ومعارفه العامة وتنمّ عن تفرّده في الأسلوب وطريقة الوصف ومنهج التأليف مما يجعلنا نستنتج أنه كان من ذوي الشّهرة والمكانة في علم الفلاحة ومعرفة الأعشاب الغذائية والدوائية . هذا